الجيش الإسرائيلي.. وعقيدته

Printer-friendly versionPrinter-friendly versionSend to friendSend to friend

Table of Contents:

بعد بن غوريون شهدت إسرائيل رؤساء حكومات أبدوا ضعفا أمام الجيش مثل شاريت وأشكول وغولدا مائير.. في هذه الفترة زاد نفوذ الجيش كثيرا

 في القاعة يجلس حوالي أربعين ضابطا كبيرا برتبة عميد. هؤلاء هم مستقبل قيادة الجيش الإسرائيلي. حضروا إلى مقر مجلس الدراسات الاستراتيجية في مركز البلاد، على مرمى حجر من تل أبيب. يجلسون على مقاعد دراسة مريحة مزودة بكل ما يخطر بالبال من تكنولوجيا عالية. يستمعون بمنتهى الأدب للمحاضر. عندما يريد أحدهم طرح سؤال يرفع إصبعه باحترام. الأسئلة أيضا جادة، تدل على اطلاع واسع ومحاولة صادقة للفهم. لا أحد يغادر القاعة خلال المحاضرة. وبانتهائها يتقدمون من المحاضر بكلمات الشكر والإطراء.
 
والمحاضر هو رجل سياسي ليس من إسرائيل ولا أجنبيا، إنه أحد قادة الأحزاب الوطنية العربية الفلسطينية في إسرائيل. من أولئك الذين يتعرضون للتحريض الدموي باستمرار في أوساط اليمين الإسرائيلي والشرطة والمخابرات. بل قد يتعرض هذا القائد لاستفزاز وربما اعتداء على حاجز عسكري في الضفة الغربية، ينفذه الجنود الخاضعون لقيادة أحد العمداء في الجيش الإسرائيلي الجالسين هنا أمامه كطلاب شطّار. فالقضية هنا قضية دراسة وتعليم. يريدون التعلم من المصدر الأول. المهم في المحاضر هو أن يكون ملما في مجاله. حتى لو وضع في خانة الأعداء، فمن الضروري سماعه. وليس فقط في هذه القاعة. ففي الجيش الإسرائيلي يجرون لقاءات كثيرة مع «الأعداء». يزورون السجون ويلتقون أسرى من قادة «فتح» و«حماس» وغيرهما. يقرأون باهتمام الدراسات التي أعدت في الجامعات والعديد منها تضمنت مقابلات بحثية مع قادة تنظيمات فلسطينية وسياسيين عرب من مختلف أنحاء العالم. فهذه واحدة من أساليب الدراسة المستخدمة لوضع سياسة استراتيجية. وهي واحدة من الممارسات التي تطورت لدى هذا الجيش عبر تاريخه، جريا وراء «معرفة الآخر»، التي كان أول رئيس حكومة في إسرائيل، دافيد بن غوريون، قد وضعها في سنة 1948، كقاعدة لعمل الجيش الإسرائيلي. وقد فعلها من خلال منصب وزير الدفاع أيضا، الذي احتفظ به لنفسه كلما انتخب رئيسا للحكومة، حتى مطلع الستينات. وهكذا جاء تدريج بن غوريون للمبادئ العامة للجيش: «رصد تهديدات العدو الأمنية المحدقة بإسرائيل والقيام بخطوات رادعة لها قبل أن تتفاقم، محاولة منع التدهور إلى حرب واسعة بواسطة القيام بخطوات حربية دفاعية ولكن من دون الاضطرار إلى احتلال العدو والسيطرة على شعبه، ممنوع خسارة الحرب وينبغي توفير كل ما يلزم من سلاح وعتاد ومال وتدريبات لهذا الغرض، محاولة إدارة الحرب بضربات خاطفة وكسر العدو في أسرع وقت لكي لا يطول القتال والسعي لأن تكون الخسائر البشرية في الحد الأدنى الممكن، محاولة الانتصار على العدو بالضربة القاضية وليس بالنقاط».
 
ومع مرور السنين جرت بعض التعديلات الطفيفة على هذه المبادئ، مثل إضافة بند حول ما يسمى بـ «مكافحة الإرهاب»، ابتداء من العام 1967، أو «الحرص على نقل المعركة إلى أرض العدو» وهو المبدأ الذي وضع في مطلع الخمسينات ونفذ في حرب 1967، ولكنه لم يعد واقعيا بعدها «خوفا من اتهام عالمي لنا بالعدوان»، كما كتب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، مردخاي غور (صحيفة «دافار» 25 مارس 1983)، و«ممنوع خوض حرب استنزاف بأي شكل من الأشكال»، وهو البند الذي أضيف للمبادئ في سنة 1970، بعد حرب الاستنزاف التي خاضتها إسرائيل مع مصر أساسا ومع سورية إلى حد ما خلال سنتين كاملتين، وغيرها.
 
للوهلة الأولى تبدو هذه المبادئ عسكرية محضة. ولكن من يتابع نشوء الجيش الإسرائيلي وتاريخ تطوره ونفوذه، يكتشف أن هذه العقائد العسكرية تحولت إلى سياسة استراتيجية تتحكم في القرار السياسي وفي القضايا الاستراتيجية للدولة العبرية، وبفضلها أصبح الجيش وجنرالاته السابقون واللاحقون ذوي النفوذ الأكبر في السياسة الإسرائيلية، وهم المسؤولون عن العقيدة الحربية التوسعية التي تميز السياسة الإسرائيلية منذ تأسيسها. والأمثلة على ذلك كثيرة: فبموجب المبدأ القائل أإن على إسرائيل أن ترصد التهديدات الأمنية، تمكن الجيش الإسرائيلي من إقناع رئيس الحكومة مناحم بيغن بتدمير الفرن الذري العراقي سنة 1981، وقد أفاد بيغن شخصيا من هذه الضربة لكي ينتصر في الانتخابات التي جرت بعد شهرين من هذا القصف. وهذه ليست قضية سياسية فحسب، إنما هي قضية حزبية أيضا، حيث إن الجيش ساعد اليمين أن يهزم اليسار في الانتخابات البرلمانية.
 
وبموجب البند نفسه، يرصد الجيش الإسرائيلي أموالا طائلة بلا حدود على مهمات التجسس وجمع المعلومات من العالم بأسره، وخصوصا من العالم العربي، أي في مناطق جغرافية بلا حدود. والحصول على معلومات أغرى الإسرائيليين على تنفيذ عمليات حربية ما وراء الحدود، فاجتاحت قوات الكوماندوز الإسرائيلية الخاصة بقيادة إيهود باراك بيروت لتغتال ثلاثة قادة فلسطينيين، ووصلت إلى تونس لاغتيال القائد الفلسطيني الثاني، خليل الوزير (أبو جهاد) ونفذت عشرات العمليات الأخرى السرية في أوروبا وآسيا وحتى في الولايات المتحدة ضبط جواسيس لخدمة إسرائيل.
 
وبموجب البند حول مكافحة الإرهاب نفذت حرب لبنان الأولى (1982 – 1985) والثانية (2006)، اللتين فرضتا فرضا على القيادة السياسية، والاجتياح لمناطق السلطة الفلسطينية ومحاصرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات حتى الموت (2003)، التي أدت إلى تعطيل وشلل العملية السلمية. تأسس الجيش الإسرائيلي رسميا، في نهاية شهر مايو (أيار) من سنة 1948، أي بعد أسبوعين من إعلان تأسيس الدولة العبرية. وقد تأسس عمليا قبل ذلك بكثير، من خلال التنظيمات العسكرية اليهودية التي حاربت في فلسطين تحت قيادة الحركة الصهيونية («هاغاناة»، «بلماح»، «إيتسل» وغيرها). ففي هذه المرحلة المتقدمة كانت لديه قوة مشاة وسلاح جو ومخابرات. وعند تأسيس الجيش، كان الهدف وضع حد للتنظيمات العسكرية الفئوية والميليشيات. وقد ضرب دافيد بن غوريون بيد من حديد القوى التي أرادت الاحتفاظ بتنظيمات مسلحة مستقلة، ولم يتردد في محاربتها بالقوة سعيا لتصفيتها. فأمر بإغراق سفينة المسلحين وما تحمله من أسلحة المعروفة باسم «ألطلينا»، ورأى يومها أن الشرط الأول الذي لا يستغنى عنه لقيام دولة منظمة تحظى باحترام العالم، هو وجود جيش واحد خاضع لسيادة الدولة ومؤسساتها الديمقراطية.
 
وأراد بن غوريون للجيش الإسرائيلي أن يعمل وفق نظام الجيوش في الدول الديمقراطية الغربية، أي بالفصل بين الجهاز العسكري والجهاز السياسي، بحيث تكون الكلمة الأخيرة للقيادة السياسية. فالحكومة فوق الجيش. تراقبه وتختار قائده وتحدد له أهدافه ومهماته. وكان بن غوريون واعيا لخطورة سطوة الجيش على القيادة السياسية، فمنع بحزم تدخله الزائد في السياسة. وفرض عليه العديد من القرارات، مثل الانسحاب من سيناء المصرية إثر حرب العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956. ودخل في احتكاكات عديدة معه، وأنهاها بحسمه السياسي.
 

الشرق الأوسط
No votes yet