الجيش الإسرائيلي.. وعقيدته

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
بعد بن غوريون شهدت إسرائيل رؤساء حكومات أبدوا ضعفا أمام الجيش مثل شاريت وأشكول وغولدا مائير.. في هذه الفترة زاد نفوذ الجيش كثيرا

وهذا الواقع بحد ذاته يجعل الجيش مؤسسة النفوذ الأكبر. كلمته مسموعة. وطلباته أوامر. هذا فضلا عن «إعجاب الإسرائيليين بالصناعة العسكرية ذات التكنولوجيا العالية، التي ينظر إليها على أنها أفضل تعبير عن العقلية اليهودية الفذة»، كما يقول د. إيهود غولان، المحاضر في العلاقات الدولية. وقيادة الجيش تدرك هذه العظمة لنفوذها، فلا تتردد في استغلالها. فعندما نرى القيادة السياسية في إسرائيل تتردد في شن حرب أو معركة، نجد المجتمع الإسرائيلي غارقا في شعار يتردد باستمرار هو «دعوا الجيش ينتصر». وقد استمعنا لهذا الشعار في سنة 2003 عندما كانت عملية السلام تراوح مكانها والعمليات التفجيرية الفلسطينية تملأ الشوارع الإسرائيلية، انتشر هذا الشعار إلى حين اتخذ القرار بإعادة احتلال الضفة الغربية ومحاصرة عرفات في المقاطعة في رام الله، فأجهضت مفاوضات السلام تماما. لم يكن الجيش بحاجة إلى فرض رأيه بانقلاب عسكري، كان يكفي أن يوجه هذا الشعار كرسالة إلى المواطنين، فتجندت الصحافة والقوى السياسية تنفذ رغبته. والأمر نفسه حصل في حرب لبنان الثانية سنة 2006. وحسب تقرير لجنة فينوغراد للتحقيق في إخفاقات هذه الحرب، فإن الجيش «قد جرّ القيادة السياسية إلى حرب غير مدروسة استراتيجيا». وأضافت في توصياتها أن على الحكومة زيادة مراقبتها على الجيش ودعت إلى زيادة مراقبة الكنيست أيضا. وقال عضو اللجنة، البروفسور درور يحزقيل، إن «للجيش الإسرائيلي نفوذا كبيرا على القرار السياسي يزيد على الحجم المسموح به في دولة ديمقراطية» (صحيفة «معاريف» – 8 فبراير/ شباط 2008). وقد ظهر أمام اللجنة الجنرال عاموس مالكا، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في سنوات 1998 ـ 2002، فقال: «خلال الحرب يأتي رئيس الوزراء ووزير الأمن إلى قيادة هيئة الأركان ضيفين زائرين. لم يرافقهما حتى مساعدون مهنيون يقدمون لهما مشورة مستقلة. وما قاله رئيس أركان الجيش، دان حالوتس، من أنه يتلقى الأوامر من الحكومة وينفذها، هو كلام فارغ». ولهذه الحرب قصة أخرى تدل على «عقيدة الجيش» ونفوذه. فالمعروف أن الحكومة التي أقامها إيهود أولمرت ووزير دفاعه عامير بيريتس، كانت قد وضعت بندا في خطوطها العريضة يقضي بتقليص ميزانية الجيش الإسرائيلي بمبلغ يعادل 1.3 مليار دولار. وقد اعترض الجيش على ذلك وحاول إثناء الحكومة عن هذا التوجه، لكن أولمرت وبيريتس، أصرا على البند باعتبار أن الانسحاب من قطاع غزة أوجد حالة مريحة لمفاوضات السلام وأن الجيش يجب أن يتقلص.
 
الجيش اعتبر هذا القرار تجاوزا للخطوط الحمراء. فماذا فعل؟ استغل خطف حزب الله للجنديين الداد ريجف وايهود غولدفاسر، ودفع الحكومة إلى الحرب التي وصفتها لجنة فينوغراد بأنها غير مدروسة. وكانت النتيجة بعد الحرب أن الحكومة لم تتنازل عن تقليص الميزانية وحسب، بل رفعتها بمبلغ إضافي بقيمة 2.8 مليار دولار. ولم يكتفوا بهذا، بل دارت معركة جماهيرية واسعة أدت إلى طرد بيريتس وأولمرت من منصبيهما. ويقدم الباحث إيال نيف مثلا صارخا آخر عن عقيدة الجيش وكيفية تحويلها إلى ممارسة سياسية رفضية، ويطرح رأيه في تساؤلات فيقول: «هل هي صدفة أن المفاوضات مع الفلسطينيين انفجرت في أوساط سنوات التسعين؟ ففي حينه حصلت أزمة اقتصادية في عدة دول في العالم أدت إلى انخفاض الطلبيات من الصناعة العسكرية الإسرائيلية، وهذا بدوره تسبب في طرد ألوف العمال منها. أفلا توجد علاقة بين هذا وبين تفجر المفاوضات؟ فالمعروف أن 10% من الصادرات الإسرائيلية هي من فرع الأسلحة، أفلا توجد هنا عناصر ذات مصلحة في استمرار الحرب وفي استمرار الاحتلال من أجل إنعاش الصناعات العسكرية؟».
 
ويقدم الجنرال مردخاي غور، رئيس أركان الجيش الأسبق، في مقاله المذكور أن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية كانت أكثر الإسرائيليين صدمة ومفاجأة من قرار الرئيس المصري أنور السادات زيارة إسرائيل في سنة 1977. فهي رغم كل الموارد والجهود التي تبذلها لمعرفة الأجواء في مصر، فوجئت. ولكن صدمتها كانت أكبر عندما فوجئت بأن بقية الدول العربية لم تلحق بالسادات في السلام مع إسرائيل. فماذا فعلت؟ راحت تشكك بالسادات نفسه وتقول إن السلام الذي وقعه مع إسرائيل ما هو إلا حالة «كبريزا» من السادات وحده. واستنتجت في حينه أنه «لا يوجد من نتكلم معه في الطرف الآخر، ولذلك يجب أن نعتمد فقط على قوتنا الذاتية وإبقاء الخيار العسكري قائما». وما يقوله الجنرال غور، ينطبق على شعار آخر مشابه كان قد أطلقه إيهود باراك في سنة 2000 إثر فشل مؤتمر كامب ديفيد، حيث قال «لا يوجد لإسرائيل شريك فلسطيني في عملية السلام»، وتحولت هذه المقولة العسكرية الأصل إلى شعار سارت إسرائيل عليه حتى تولى الرئاسة الفلسطينية بعد رحيل عرفات، الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، فقال يومها إيهود أولمرت، وهو يناقش قادة الجيش وقوى اليمين المناصرة لها: «لقد لوحنا بالشعار أنه لا يوجد شريك فلسطيني لنا في عملية السلام طيلة سبع سنوات وصدقنا العالم. ولكن، هل يمكننا الاستمرار في ترديد هذا الشعار في عهد أبو مازن؟ هل نستطيع إقناع أحد في العالم بأن أبو مازن ليس شريكا في عملية السلام؟». ويوافق معه الكاتب أوري أفنيري، الذي أصدر كتابين في الأبحاث العسكرية، فيقول عن حرب لبنان الثانية كلمات مماثلة وبشكل أكثر حدة: «الجيش الإسرائيلي الذي بنى قوته على مطاردة أطفال فلسطينيين يقذفون الحجارة، لا يمكنه أن يكون جيشا قويا واثقا. الجيش الذي بنى كل سياسته على الاستهتار بالعرب وطور في نفسه نوعا من العمى حول العرب ودوافعهم وحساباتهم الحقيقية، لا يمكن أن يعرف كيف يمثل مصالح المجتمع الحقيقية. لقد استغل الجيش تأثيره البالغ على القيادة السياسية ودفعها إلى مغامرة خطيرة. وكل هدفه هو إبعاد إسرائيل عن الحقيقة الراسخة وهي أنه لا يوجد حل عسكري للصراع الإسرائيلي العربي. والحل الوحيد هو سياسي سلمي».
 
من هنا، فإن الجيش الإسرائيلي، وإن كان يأتمر نظريا بقرارات الحكومة، فقد بنى لنفسه على مدى السنوات الستين، آلية للتأثير على القرار السياسي والجماهيري في إسرائيل بشكل هائل لا يمكن مقارنته مع نفوذ أي جيش في الدول الغربية التي يحلو لإسرائيل الانتماء إليها. وإن لم تكن لهذا الجيش عقيدة محددة أيديولوجيا، فإن لديه عقيدة عسكرية واضحة تؤدي إلى بناء سياسة استراتيجية، هي عقيدة الشك الدائم في الطرف الآخر (وليس العربي فحسب) والاعتماد على القوة العسكرية كأمر أساسي. ومع مرور الزمن ونشوء فرع اقتصادي عسكري، باتت هناك شريحة من تجار الحرب في إسرائيل المرتبطين بالجيش حتى اليوم والقادمين من صفوف الجيش، الذين لديهم مصلحة مباشرة في استمرار الحروب لكي يستمروا في الربح.
 
الشرق الأوسط
No votes yet