الجيش الإسرائيلي.. وعقيدته
Table of Contents:
بعد بن غوريون شهدت إسرائيل رؤساء حكومات أبدوا ضعفا أمام الجيش مثل شاريت وأشكول وغولدا مائير.. في هذه الفترة زاد نفوذ الجيش كثيرا
ولكن بعد بن غوريون، شهدت إسرائيل رؤساء حكومات أبدوا ضعفا واضحا أمام الجيش مثل موشيه شاريت وليفي أشكول في الستينات وغولدا مائير في مطلع السبعينات. ففي هذه الفترة زاد نفوذ الجيش كثيرا. وتعتبر حرب 1967، بمثابة مرحلة حاسمة في تعاظم نفوذ الجيش، حيث إن أشكول لم يكن معنيا بالحرب. ورفض بشدة إعطاء أمر بخوضها. وقد كتب المؤرخ توم سيجف أن أعضاء هيئة أركان الجيش استدعوا رئيس الوزراء أشكول إلى مقر القيادة، في تل أبيب ومارسوا عليه الضغط حتى يوافق على الحرب. ويقال إن أرئيل شارون، الذي كان يومها أحد هؤلاء القادة، تحدث لأصدقائه أنه كان ينوي إغلاق الباب على أشكول في قيادة الأركان وإبقائه مغلقا حتى يطلق شرارة الحرب. لكن أشكول «اقتنع» من دون أن يغلق الباب.
وبما أن نتيجة الحرب كانت انتصارا ساحقا لإسرائيل، حيث إنها تمكنت من احتلال الجولان السوري والضفة الغربية لنهر الأردن وسيناء المصرية وقطاع غزة خلال ستة أيام، فقد زاد نفوذ الجيش لدرجة خطيرة. ولم يعد السياسيون يستطيعون صده. وفقط حرب أكتوبر 1973، التي زعزع المصريون والسوريون فيها نظرية «الجيش الذي لا يقهر»، أوقفت هذا النفوذ. ولكن، الحرب أظهرت أيضا أن إسرائيل تحتاج إلى شخصية قوية في رئاسة حكومتها، أي في القيادة السياسية وليس فقط في الجيش. فتم اختيار إسحق رابين، رئيس أركان الجيش في حرب 1967، ليصبح رئيس حكومة. وهو الذي تمكن من استعادة هيبة الجيش والقيادة السياسية عن طريق المزج ما بين القيادتين.
وأصبح عهد رابين واختياره، نموذجا يحتذى في هذا «التعاون». وبدأت ظاهرة تصدير الجنرالات إلى القيادة السياسية للدولة. ومنذ ذلك العهد، تولى عشرات الجنرالات مناصب رفيعة في القيادة السياسية، نذكر منهم: يغئال يدين، رئيس الأركان الثاني الذي أصبح نائبا لرئيس الحكومة بيغن، وموشيه ديان، الذي جلبه بيغن وزيرا للخارجية في أول حكومة يمينية (مع أن ديان كان من قادة حزب العمل)، وعيزرا فايتسمان، قائد سلاح الجو الذي اختاره بيغن وزيرا للدفاع، ثم أرئيل شارون، الذي اختاره بيغن لتبديل فايتسمان في هذه الوزارة، وأصبح فيما بعد رئيسا للحكومة (2001 ـ 2005)، وإيهود باراك، رئيس الأركان، الذي اختاره رابين وزيرا للداخلية في حكومته وأصبح هو أيضا رئيسا للحكومة، والجنرالات بنيامين بن أليعازر وإسحق مردخاي وشاؤول موفاز، الذين أصبحوا وزراء دفاع، ورئيس الأركان أمنون شاحاك، الذي أصبح وزيرا في حكومة باراك، وقبله رافائيل إيتان ورحبعام زئيفي، وحتى اليوم حيث اختار بنيامين نتنياهو ثلاثة جنرالات في حكومته، هم إضافة إلى وزير الدفاع باراك، يوسي بيليد وموشيه يعلون.
وهكذا، اختلط حابل السياسيين بنابل العسكريين. وباتت عقيدة الجيش مختلطة بعقيدة الدولة. لم يقتصر تصدير الجنرالات على القيادة السياسية في إسرائيل، بل امتد إلى الاقتصاد أيضا. فقد دأب القادة السياسيون، من ذوي المناصب العليا في الجيش سابقا، على ضمان وظائف عليا في قيادة الشركات والمؤسسات الحكومية الأخرى. وعندما برز بعض هؤلاء العسكريين في إدارتهم الناجحة لمؤسساتهم، استقطبهم القطاع الخاص أيضا. فها هو أمنون شاحاك، رئيس أركان الجيش الأسبق، يصبح رئيسا لشركة الطيران العال ولشركة المياه «تاهل»، ويعقوب بيري، رئيس المخابرات العامة الأسبق، رئيسا لأكبر شركة هواتف خليوية ثم رئيسا لمجلس إدارة بنك كبير، وباراك، قبل أن يعود إلى السياسة أصبح مليونيرا إثر شغله منصب رئيس مجلس إدارة لعدة شركات استثمار. ولكن الفرع الاقتصادي الأكبر الذي يقوده الجنرالات، هو فرع التجارة العسكرية الأمنية، الذي يعتبر اليوم أكبر فرع اقتصادي في إسرائيل على الإطلاق. فإسرائيل تعتبر اليوم مصدرا للسلاح والخبرات الأمنية في 70 دولة في العالم، بينها دول العالم الثالث وبينها دول أوروبا الشرقية وحتى الدول المتطورة (بيع أسلحة من مختلف الأنواع، بدءا بالمسدسات والذخيرة وحتى الطائرات بلا طيار وتحديث الطائرات والدبابات القديمة وتدريب الجيوش وتدريب الحرس الرئاسي وشركات حراسة دولية في المرافق الاقتصادية في هذه الدول وأطقم حراسة السفن التجارية)، هذا فضلا عن الحراسة في إسرائيل نفسها، حيث إنه لا يوجد مطعم أو مجمع تجاري أو مكتب حكومي أو بنك أو حتى مكتب تسويق للهواتف النقالة إلا ويضع حارسا على الباب. وبحكم تطور الصناعات العسكرية الإسرائيلية التابعة للجيش مباشرة، هناك عشرات آلاف العمال والمهندسين والإداريين الذين يعملون تحت سيطرة الجيش ويلفون العالم باسمه (40% من منتجات الصناعات العسكرية الإسرائيلية تصدر إلى الخارج، وفقا لمنشورات مركز يافي للأبحاث الاستراتيجية). من هنا أصبح الجيش، بقياداته الحالية وسيطرته الإدارية والمالية وقادته السابقين، الذين سيطروا على الاقتصاد، عنصرا حاسما في السياسة الاقتصادية أيضا. فإذا أضفنا لذلك أن الخدمة العسكرية في إسرائيل إجبارية (لكل يهودي أو درزي أو شركسي بلغ الثامنة عشرة، باستثناء المتدينين وباستثناء النساء الدرزيات والشركس)، وأن عدد جنود الجيش النظامي يبلغ اليوم 176500 جندي والجيش الاحتياطي 445000 جندي، وأن الجيش يقوم بمهمات تعليمية في المدارس ولديه نشاط استيطاني (الجيش بنى 90 مستوطنة بواسطة «الشبيبة الطلائعية»)، يمكننا إدراك حقيقة أنه يسيطر على كل جوانب الحياة في المجتمع الإسرائيلي. والإسرائيليون يتندرون فيما بينهم فيقولون إن إسرائيل ليست دولة لها جيش بل جيش له دولة. وهذه ليست مسألة عدد ونظام وحسب، بل هي سياسة أيضا.
يقول الباحث الإسرائيلي في علم التغيير الاجتماعي، إيال نيف، إنه بسبب الدور المركزي للجيش الإسرائيلي في الحياة الاجتماعية والناس يشاركون فيه بهذه الكثافة، فإن عقلية عسكرية نمت وتطورت وسيطرت على المجتمع الإسرائيلي. ويضيف أن هذه العقلية العسكرية، جعلت القوة أداة أساسية لدى الناس والدفاع عن الدولة قيمة عليا. وبات الجنرالات هم الناس الأمناء على اتخاذ القرارات الصحيحة. وكلما يشعر الإسرائيلي أن عليه خطرا وجوديا يتحول إلى أكثر شراسة ويصبح العدو أكثر سوءا وكراهية عليه. فإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن عدد قتلى الحروب في إسرائيل يبلغ 22570 شخصا وأن أضعاف ذلك العدد مشوهو حرب، يعتاشون هم وعائلاتهم من مخصصات الجيش والدولة، ومرتبطون بمؤسسات مدنية مرتبطة بدورها بالجيش مثل «الجمعية من أجل الجيش» و«يد للأبناء الجنود» و«منظمة معوقي الجيش» و«خريجو البلماح» وغيرها، فإن الجيش يعيش ويعشش في نفوس الناس ويسيطر عليهم.
الشرق الأوسط




